ابن رشد
23
تهافت التهافت
أرسطو قد تكلم عنه . وأما واهب الصور أو العقل الفعال الذي تصوره الفارابي وابن سينا فقد أخذ به ابن رشد . فتدخل واهب الصور لا يعني نفي الأسباب الحسية . ففي المادة قبول فعل وإمكان فعل . وكل واحدة من الصور تؤثر بغيرها وتتأثر بها بحسب حكمة موجودة في الطبيعة . وتبقى الطبيعة مقيدة بالقوة الذاتية التي للمواد . والفلاسفة لم ينكروا أن هناك غاية في الطبيعة وأنها تتوق إلى الكمال ومسخرة للّه . ويعبر ابن رشد عن هذا الرأي في قوله : « ومن نظر إلى مصنوع من المصنوعات ، لم تتبين له حكمته ، إذا لم تتبين له الحكمة المقصودة بذاك المصنوع والغاية المقصودة منه » « 1 » . وابن رشد يؤكد وجود السببية الطبيعية لأن « من رفع الأسباب فقد رفع العقل » « 2 » . وإنكار الأسباب التي تشاهد في المحسوسات قول سفسطائي وكل من نفى الأسباب الفاعلة « ليس يقدر أن يعترف أن كل فعل لا بد له من فاعل » « 3 » . ويؤكد ابن رشد في سياق بحثه في مسألة السببية ، أن أحدا من الفلاسفة لم يشك في أن الاحتراق الواقع في القطن من النار . فالنار هي الفاعلة وسبب الاحتراق لما في النار من قوة الإحراق وقبول القطن لفعل الاحتراق . فالنار فاعلة ، ولكن ليس بإطلاق بل من قبل مبدأ من خارج ، وهو واهب الصور أو العقل الفعال ، ولكن هذا المبدأ يبقى مقيدا بإمكانات النار الفاعلة ، وإمكانات القطن للاحتراق . ويرد ابن رشد على انتقادات الغزالي للفلاسفة لقولهم بالسببية ويتهمه « بالسفسطة والشعوذة » « 4 » . وفي مباحث النفس الإنسانية يوافق ابن رشد الفلاسفة المشائين في الإسلام على تحديدهم للنفس والمأخوذ من فلسفة أرسطو والقائل بأن النفس « كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يحس ويتحرك » . ويوافقهم أيضا في تقسيمهم النفس إلى ثلاثة أقسام بحسب مراتبها : النفس النباتية والنفس الحيوانية ، والنفس الإنسانية . ويوافقهم على قسمة النفس الإنسانية إلى قوتين : القوة العالمة والقوة العاملة وأن كل واحدة منهما تسمى عقلا باشتراك الاسم . ووافقهم أيضا في مسألة خلود النفس ، لأن « الأدلة العقلية والشرعية تجعل النفس غير مائتة » « 5 » . ولكن ابن رشد يتناول قضايا
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 51 . ( 2 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 292 . ( 3 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 290 . ( 4 ) المصدر نفسه : النص ص 302 . ( 5 ) المصدر نفسه : النص ص 327 .